أبي منصور الماتريدي
456
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي [ طه : 86 ] . وقوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ . يحتمل وجهين : اتَّخَذْتُمُ : أي عبدتم ؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه . ويحتمل : اتخذتم العجل إلها ؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلها ، كقوله : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ [ الأعراف : 148 ] . وهذا كان أقرب . وقيل : اتخذتم ، أي : صنعتم ، والله أعلم . وقوله : وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ . قيل في الظلم بوجوه : قيل : إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم . وقيل : إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم . وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم ؛ لأنهم ظلموا أنفسهم . وقيل « 1 » : إن الظلم هو وضع الشئ في غير موضعه ؛ فسموا بذلك لأنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها ، وهذا كأنه - والله أعلم - أقرب . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ . . . الآية . ينقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يزعمون أن الله إذا علم من أحد أنّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأبد ، لم يكن له أن يميته ، ولا له أن يقطع نسله . فإذا كان على الله أن يبقيهم ، ولا يقطع نسلهم ، لم يكن للامتنان عليهم ، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى ؛ إذ فعل - جل وعزّ - ما عليه أن يفعل . وكل من فعل ما عليه أن يفعل لم يكن فعله فعل امتنان ، ولا فعل إفضال ؛ لأنه - عزّ وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم ، حيث لم يستأصلهم ، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا ، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم ؛ لأنه لو أهلك آباءهم وقطع تناسلهم انقرضوا وتفانوا ، ولم يتوالدوا ؛ فالمنّة عليهم حصلت ؛ لذلك طلبهم بالشكر له ، والله أعلم .
--> ( 1 ) قاله ابن جرير ( 1 / 323 ) .